العيني
64
عمدة القاري
أيضا بما رواه الطحاوي من حديث أبي مسعود البدري : ( ألا أريكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ) فذكر حديثا طويلاً ، قال : ثم ركع فوضع كفيه على ركبتيه ، وفضلة أصابعه على ساقيه ) . وبما رواه وائل بن حجر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع وضع يديه على ركبتيه ) ، رواه الطحاوي أيضا . وبما رواه أبو داود من حديث أبي صالح : عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( اشتكى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا ، فقال : استعينوا بالركب ) . وأخرجه الترمذي أيضا ، ولفظه : ( اشتكى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا ، فقال : استعينوا بالركب ) . ورواه الطحاوي أيضا ، ولفظه : ( اشتكى الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم التفرج في الصلاة ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( استعينوا بالركب ) . فإن قلت : لم يستدل أبو داود ولا الترمذي بهذا الحديث على وضع الأيدي بالركب في الركوع ، أما أبو داود فإنه ذكره في : باب رخصة افتراش اليدين في السجود ، وأما الترمذي فإنه ذكره في الاعتماد في السجود . قلت : قوله صلى الله عليه وسلم : ( استعينوا بالركب ) ، أعم من أن يكون في الركوع أو في السجود ، والمعنى : استعينوا بأخذ الأيدي على الركب ، ولهذا أخرجه الطحاوي لأجل الاستدلال للجماعة المذكورين . واحتج أيضا بما رواه من حديث أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي عن أبي عبد الرحمن قال عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ( أمسكوا فقد سنت لكم الركب ) . وأخرجه الترمذي ولفظه : ( قال لنا عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه : إن الركب سنة لكم ، فخذوا بالركب ) . وفي رواية له : ( سنت لكم الركب فأمسكوا بالركب ) . قوله : ( أمِسُّوا ) ، أمر من الإمساس ، والمعنى : أمسوا أيديكم ركبكم ، فقد سنت لكم الركب ، يعني : سن إمساسها والأخذ بها ، وصورة الأخذ قد ذكرناها عن قريب . وفي ( المغني ) لابن قدامة : قال أحمد : ينبغي له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه ويفرق بين أصابعه ويعتمد على ضبعيه وساعديه ويسوي ظهره ولا يرفع رأسه ولا ينكسه . ثم قال الطحاوي : هذه الآثار معارضة لما رواه إبراهيم عن علقمة والأسود : أنهما دخلا على عبد الله فقال : أصلى هؤلاء خلفكم ؟ فقالا : نعم ، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على الركب ، فضرب أيدينا ، فطبق ثم طبق بيديه ، فجعلهما بين فخذيه ، فلما صلى قال : هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ) . وبه أخذ إبراهيم وعلقمة والأسود وأبو عبيدة ، ثم قال الطحاوي : ومع الآثار المذكورة من التواتر ما ليس مع حديث علقمة والأسود ، فاعتبرنا في ذلك ، فإذا أبو بكر قد حدثنا وساق حديث الباب ، فقد ثبت به نسخ التطبيق ، وإنه كان متقدما لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من وضع اليدين على الركبتين ، وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر بإسناد قوي ، قال : إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة ، يعني : التطبيق ، وقال بعضهم : حمل حديث ابن مسعود على أنه لم يبلغه النسخ . قلت : ابن مسعود أسلم قديما وهو صاحب نعل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان يلبسه إياها إذا قام وإذا جلس أدخلها في ذراعه ، وكان كثير الولوج على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولم يفارقه إلى أن مات رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وكيف خفي عليه أمر وضع اليدين على الركبتين ؟ وكيف لم يبلغه النسخ ؟ وقد روى عبد الرزاق عن علقمة والأسود ، قالا : ( صلينا مع عبد الله فطبق ، ثم لقينا عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فصلينا معه فطبقنا ، فلما انصرف قال : ذلك شيء كنا نفعله ثم ترك ) ، ولم يأمرهما عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بالإعادة ، فدل على أحد الشيئين : أحدهما : أن النهي الوارد فيه كراهة التنزيه لا التحريم . والآخر : يدل على التخيير ، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) من طريق عاصم بن ضمرة عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا ، يعني وضعت يديك على ركبتيك ، وإن شئت طبقت وإسناده حسن ، فهذا ظاهر في أنه ، رضي الله تعالى عنه ، كان يرى التخيير . وقول بعضهم : إما لم يبلغه النهي وإما حمله على كراهة التنزيه ، ليس بظاهر ، لأن التخيير ينافي الكراهة ، وقد وردت الحكمة في إيثار التفريج على التطبيق عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، أورده سيف في ( الفتوح ) من رواية مسروق أنه سألها عن ذلك فأجابت بما محصله : إن التطبيق من صنيع اليهود ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه لذلك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ، ثم أمر في آخر الأمر بمخالفتهم ، والله تعالى أعلم . 119 ( ( بابٌ إذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ ) ) أي : هذا باب ترجمته : إذا لم يتم المصلي ركوعه ، وجواب : إذا محذوف تقديره : يعيد صلاته ، وإنما لم يذكره ههنا اكتفاء بما ذكره في الباب